ابن أبي الحديد
144
شرح نهج البلاغة
دخل عمر بن عبد العزيز على سليمان بن عبد الملك وعنده أيوب ابنه - وهو يومئذ ولى عهده - قد عقد له من بعده ، فجاء إنسان يطلب ميراثا من بعض نساء الخلفاء ، فقال سليمان : ما إخال النساء يرثن في العقار شيئا ، فقال عمر بن عبد العزيز : سبحان الله ! وأين كتاب الله ! فقال سليمان : يا غلام ، اذهب فأتني بسجل عبد الملك الذي كتب في ذلك ، فقال له عمر : لكأنك أرسلت إلى المصحف ! فقال أيوب بن سليمان : والله ليوشكن الرجل يتكلم بمثل هذا عند أمير المؤمنين . فلا يشعر حتى يفارقه رأسه فقال عمر : إذا أفضى الامر إليك وإلى أمثالك كان ما يدخل على الاسلام أشد مما يخشى عليكم من هذا القول ، ثم قام فخرج . وروى إبراهيم بن هشام بن يحيى ، قال حدثني أبي ، عن جدي ، قال كان عمر بن عبد العزيز ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية ، ويقول : ضمنهم الحبوس حتى يحدثوا توبة ، فأتى سليمان بحروري مستقتل ، وعنده عمر بن عبد العزيز ، فقال سليمان للحروري : ماذا تقول ؟ قال : ما أقول يا فاسق يا بن الفاسق ! فقال سليمان لعمر : ما ترى يا أبا حفص ؟ فسكت ، فقال : أقسمت عليك لتخبرني ماذا ترى عليه ! فقال : أرى أن تشتمه كما شتمك ، وتشتم أباه كما شتم أباك ، فقال سليمان : أوليس إلا ! قال : أوليس إلا ، فلم يرجع سليمان إلى قوله ، وأمر بضرب عنق الحروري . وروى ابن قتيبة في كتاب " عيون الأخبار " قال : بينما المنصور يطوف ليلا بالبيت سمع قائلا يقول : اللهم إليك أشكو ظهور البغي والفساد ، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع . فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد ، وأرسل إلى الرجل يدعوه ، فصلى ركعتين ، واستلم الركن ، وأقبل على المنصور فسلم عليه بالخلافة ، فقال المنصور : ما الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق